ابن أبي أصيبعة
333
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
فلم أتناول من الفاكهة إلا اليسير منها ، وأنا يومئذ ابن تسع عشرة سنة ، فخرجت سنتي تلك بلا مرض ولا أذى . ثم إنه نزل بأبى بعد تلك السنة الموت . فجلست أيضا مع أصحابي وإخواني أولئك الشباب ، فأكلت من الفاكهة وأكثرت وتملأت أيضا ، فمرضت مرضا شبيها بمرضى الأول ، فاحتجت أيضا إلى فصد العرق . ثم لازمتنى الأمراض بعد تلك السنة سنينا متتابعة ، وربما كان ذلك غبا « 1 » سنة بعد سنة ، إلى أن بلعت ثمانيا وعشرين سنة . ثم إنّي اشتكيت شكاية شديدة ، ظهرت بي دبيلة في الموضع الذي يجتمع فيه الكبد مع ذيافرغما ، وهو الحجاب الحاجز « 2 » بين الأعضاء المتنفسة والأعضاء الفعالة « 3 » للغذاء . فعزمت حينئذ على نفسي أن لا أقرب بعد ذلك شيئا من الفاكهة الرطبة ، إلا ما كان من التين والعنب ، وهذان إذا كانا نضيجين ، وتركت الإكثار منهما أيضا فوق القدر والطاقة . وكنت أتناول منها قدرا ولا [ أجاوزه ] « 4 » . وقد كان لي صاحب أمس منى فوافقنى ، وواتانى « 5 » في العزم الذي كنت عزمت عليه من ترك الفاكهة والتباعد . فألزمنا أنفسنا الضمور [ وتوقى ] « 6 » التخم والشبع من الأغذية ، فبقينا [ جميعا ] « 7 » معا بغير وجع ولا سقم إلى يومنا هذا سنينا كثيرة . ثم لما رأيت ذلك [ عمدت إلى ] « 8 » أخلائي وأخدانى ومحبي من إخواني فألزمتهم الضمور ، والغذاء بقدر واعتدال ، فصحوا ، ولم يعرض لهم شئ مما أكره إلى يومى هذا . فمنهم من لزمته الصحة إلى يومنا هذا خمسا وعشرين سنة . ومنهم من لزمته الصحة خمس عشرة سنة . ومنهم من لزمته السلامة أقل من ذلك . وأكثر من أطاعني ولزم الغذاء على قدر ما قدرت له من ذلك ، وتباعد من الفاكهة الرطبة وغيرها من الأغذية الردية الكيموسات ، « عاش صحيحا » « 9 » وقال في كتابه « علاج التشريح » بأنه دخل رومية في المرة الأولى في ابتداء ملك أنطونينوس الذي ملك بعد « 10 » أذريانوس ، وصنف كتابا في التشريح لبواثيوس المظفر
--> ( 1 ) غبّا : أي على فترات . يقال غبّ الرجل في الزيارة ، أي زار في الحين بعد الحين . [ المعجم الوسيط ، ج 2 ص 642 ] . ( 2 ) في ج ، د « الخارج ما بين » . ( 3 ) في ج ، د « الفاصلة » . ( 4 ) في الأصل « أواجزه » والمثبت من ج ، د . ( 5 ) في ج ، د « وواسانى » . ( 6 ) في الأصل « وتولى » والمثبت من ج ، د . ( 7 ) ساقط في الأصل ، ج ، د . والإضافة من م . ( 8 ) في الأصل « عرفت على » والمثبت من ج ، د ، م . ( 9 ) ساقط في ج ، د طبعة مولر . ( 10 ) في ج ، د « بعده » .